محمد بن عمر التونسي

162

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وحين كنت في جبل مرّة ، توجهت إلى دار رجل منهم في نمليه ، أسأل عنه ، فما رأيت في داره أحدا ؛ لكن سمعت داخل الدار صوتا غليظا مرعبا ، اقشعرّ منه جلدي ، يقول لي : أكبا . يعنى : إنه ليس هنا . وفي ذلك الوقت أردت أن أتقدّم وأسأل : أين ذهب ؟ فمر بي إنسان وجذبني وقال : ارجع ، فإن الذي يخاطبك غير آدمي ! فقلت : وما هو ؟ فقال : هذا الحارس الجنّى ، لأنّ لكل إنسان منا حارسا من الجن ، ويسمّى بلغة الفور : دمزوقه « 1 » . فخفت حينئذ ورجعت من حيث أتيت . ولما رجعت من هذه السّفرة ، وتوجّهت إلى الفاشر ، اجتمعت مع الشريف أحمد بدوي ، الذي أخذني من مصر ، وذهب بي إلى دارفور ، فأخبرته القصة فقال : صدق . وأسمعنى أعجب من ذلك ، وقال لي : يا ولدى ، اعلم أنى كنت في أول أمرى أسمع أن الدّمازيق تباع وتشترى ، ومن أراد منها دمزوقا ، يذهب إلى من يعلم أن عنده دمازيق ، فيشترى منه واحدا بما يرضيه ، ثم يأتي بقرعة فيها لبن ، ويدفعها إلى ربّ المنزل ، فيأخذها ويدخل ( 147 ) إلى المحلّ الذي هنّ فيه : فيسلّم عليهنّ ، ويعلّق القرعة التي فيها اللبن في علّاقة في البيت ، ثم يقول لهن : إن صاحبي فلانا عنده مال كثير ، وخائف عليه من السرقة ، وأراد منى حارسا ، فهل إحدى منكنّ تذهب « 2 » إلى داره ، لأن عنده لبنا كثيرا ، وخيرا غزيرا ، وقد أتى بهذه القرعة مملوءة لبنا ؟ فيتمنّعن

--> ( 1 ) في الأصل : دامزوقه . راجع ما ذكره ماكمايكل في شرح الدمزوقه معتمدا في ذلك على ما جاء في هذا الكتاب وما سمعه بنفسه من أهالي دارفور . Mac Michael : op . cit . p . I 02 . ( 2 ) عومل لفظ دمزوقه معاملة المذكر في كثير من المواضع ومعاملة المؤنث في مواضع قليلة كهذه .